4.5.11

مركز دمشق لدراسات حقوق الانسان

من أجل تحول آمن نحو الديمقراطية في سورية

شهدت سورية احتجاجات شعبية متصاعدة في أكثر من 84 مدينة وبلدة سورية سقط فيها أكثر من 350 شهيداً، و بدى واضحاً أن الهدف النهائي لهذه المظاهرات الحاشدة هو إسقاط النظام بطريقة أو بأخرى. يجب علينا أن نتوقف عن الجدال والمماحكة بالخصوصية السورية، فالمشترك مع تونس ومصر وليبيا واليمن وغيرها من الدول العربية -التي تشهد اليوم احتجاجات شعبية عارمة- هو أكبر بكثير مما نعتقد.

في البداية، هناك فهم خاطئ تولّد لدى الكثير من الأنظمة العربية ومنها السوري بالطبع، أن ما بدأ في تونس ومصر وتصاعد فيما بعد إنما هو نتيجة تدهور الظروف الاقتصادية وارتفاع نسبة البطالة وفقدان فرص العمل، وهو ما دفع بهم إلى بعض الإجراءات الاقتصادية غير الدائمة مثل زيادة الدعم للمواد الغذائية الأساسية أو إعطاء زيادة محدودة في الدخل لدى العاملين في القطاع العام وغير ذلك، فاعتقدوا أنهم بذلك يطوون صفحة الاحتجاجات الشعبية إلى الأبد. في الحقيقة ما جرى هو ببساطة ثورة الكرامة الإنسانية؛ فالكرامة لديها قيمة خاصة لدى الإنسان العربي، فالتونسي والمصري والسوري والليبي الذي تعرض لعقودٍ طويلة من الإهانة في فروع المخابرات، والموت تحت التعذيب في أقسام الشرطة والأمن الجنائي، والتمييز الفاضح في حقه في التعليم والترقي في المناصب العامة والصحة بناءً على أساس انتماءات حزبية، وإلى السرقة عبر الفساد وغياب الشفافية، كل ذلك إنما يدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في إذلال الكرامة الإنسانية التي غالباً ما لا تُدرك الأنظمة الشمولية قيمتها ولا تكتشف قوتها إلا بعد أن تطيح بها ثورات شعبية.

إننا وباعتبارنا مواطنين سوريين أولاً، حلمنا الأول والأخير هو أن نرى بلدنا الأجمل والأكثر تقدماً في العالم، وبما أننا نشهد من حولنا تغيرات عميقة "ثورية" لم تشهدها المنطقة العربية منذ الخمسينيات من القرن الماضي، وبما أننا لا نريد أن تسقط قطرةَ دمٍ واحدة من أي سوري، فإننا نرغب بأن نأخذ الدروس من غيرنا ونعمل على تطبيقها، بدءً من تجارب التحول الديمقراطي في أوروبا الغربية في السبعينيات و أمريكا اللاتينية في الثمانينيات و أوروبا الشرقية في بداية التسعينيات من القرن الفائت، وما يشهده العالم العربي اليوم من ثوراتٍ شعبية نجحت في إسقاط أنظمة دكتاتورية حكمت لمدةٍ تزيد عن ثلاثة عقود أو أكثر.

إن سورية اليوم أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما، إما أن يقود النظام الحاكم نفسه مرحلة التحول الآمن باتجاه التحول الديمقراطي ويحدونا أملٌ كبير في أن يمتلك النظام الشجاعة الأخلاقية التي تدفعه إلى انتهاج هذا الخيار؛ أو أن تقود مرحلة الاحتجاجات الشعبية إلى ثورة شعبية تسقط النظام وندخل بعدها في مرحلة التحول بعد موجةٍ من العنف والاضطرابات.

الخيار الأول تبنته عدة دول، أشهرها بالطبع إسبانيا بعد نهاية حكم فرانكو الديكتاتوري، حيث قام رئيس الوزراء حينها بالتعاون مع الملك في قيادة مرحلة التحول، كما أن عدداً من قادة الأحزاب الشيوعية في عدد من دول أوربا الشرقية وخاصة بعد أن رأوا ما جرى في بولندا وألمانيا الشرقية بادروا إلى ما ُسمي حينها مفاوضات الطاولة المستديرة بينهم وبين زعماء المعارضة من أجل وضع خطة آمنة للتحول الديمقراطي تجنب البلاد الفوضى ومرحلة الاحتجاجات الشعبية، وكان أشهرها تشيكوسلوفاكيا التي تطلق على ثورتها بالثورة المخملية كدلالة على إنجازها التحول الديمقراطي في غياب تام للعنف تقريباً، وأيضاً هنغاريا التي قام الحزب الشيوعي نفسه بالمبادرة من أجل البدء بمفاوضات تقود إلى التحول الديمقراطي، بيد أن دولاً أخرى لم تقرأ الدرس جيداً وكررت نفس الموقف الذي نسمعه اليوم من النظام السوري وبعض الأنظمة العربية القائل بالخصوصية وعدم التأثر بما جرى، فكانت نهايتها مختلفة وأكثر دموية كما جرى في رومانيا ويوغسلافيا وكما يجري هذه الأيام في ليبيا.

سورية إذاً عند منعطف طرق، وأفضلها أن يقوم النظام الحاكم نفسه بقيادة التحول الديمقراطي من أجل تجنيب البلاد مرحلة العنف أوالفوضى أو الاقتتال الداخلي، لكن كيف يمكن أن تتم مرحلة التحول في سورية؟

إن سورية الديمقراطية في المستقبل كما نرى سوف تواجه أربع تحديات رئيسية:

1- الإصلاح السياسي والدستوري:

إن القيام بإصلاح سياسي جذري يبدأ من تغيير الدستور وكتابة دستور ديمقراطي جديد يضمن الحقوق الأساسية للمواطنين، ويؤكد على الفصل التام بين السلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية، وهو يشمل أيضاً إصلاح جذري للمؤسسة أو الجهاز القضائي الذي انتشر فيه الفساد وفقد المواطنون الثقة الضرورية فيه، وبالطبع إعلان رفع حالة الطوارئ وإلغاء كافة المحاكم الاستثنائية والميدانية وعلى رأسها محكمة أمن الدولة وإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، وإصدار قانون عصري للأحزاب السياسية بما يكفل المشاركة لكل السوريين وبدون استثناء، وتحرير قانون الإعلام بما يضمن حرية الإعلام وإصدار قانون جديد للانتخابات، وتشكيل هيئة وطنية للحقيقة و المصالحة من أجل الكشف عن المفقودين السوريين والتعويض عن المعتقلين السياسيين، وفوق ذلك كله بالطبع يأتي إعطاء كافة الحقوق الأساسية للكرد ،وعلى رأسها منح الجنسية لما بات يقارب ربع مليون "مواطن" كردي حرموا منها نتيجة إحصاءٍ استثنائيّ خاصّ بمحافظة الحسكة عام 1962 وكذلك إلغاء التمييز الثقافي واللغوي بحق اللغة الكردية والنشاطات الثقافية والاجتماعية والفنية والاعتراف بحق التعلّم باللغة الأم ، وإلغاء التمييز المنهجي الواقع عليهم وإعطاء المنطقة الشرقية الأولوية فيما يتعلق بمشاريع التنمية و البنى التحتية.

2- التنمية الاقتصادية:

بعد عقودٍ من السياسات الاقتصادية الخاطئة وصلت سورية إلى مأزق اقتصادي عميق، يتعمق مع الأيام ويزداد بحكم افتقاد سورية للموارد الضرورية والاعتماد بشكل رئيسي على النفط الذي كان يشكل أكثر من 80% من الميزانية السورية وانخفض الآن ليصبح أقل من 30% ،ومع انعدام البدائل الأخرى وأهمها بناء قطاع زراعي وصناعي قوي فإن الأمور تفاقمت بشكلٍ كبير ومن المستحيل على سوريا أن تخرج من أزمتها الاقتصادية بالسياسات الاقتصادية ذاتها والتي ترتبط بالسياسة الداخلية والخارجية بشكلٍ أو بآخر، فهناك جفاف بالمنطقة الشرقية منذ عام 2007 أدى الى نزوح أكثر من مليون مواطن من المحافظات الثلاث (الحسكة ودير الزور والقامشلي)وفقاً للأمم المتحدة، وليس لسوريا أي إمكانية مادية لضخ الحياة من جديد في هذه المحافظات الثلاث. وبعد عقودٍ من الاهمال والفساد الذي رافقه نمو سكاني يعيش السوريون يومياً عذاب تدني خدمة النقل والمواصلات والخدمات الصحية والتعليمية، فوفقاً لنائب رئيس الوزراء فإن سورية تحتاج إلى 74 مليار دولار من أجل بناء بناها التحتية في حين لا تمتلك شيئاً من هذا المبلغ، هذا إذا علمنا أن كل مشاريع الطاقة والطرقات والبنى التحتية على ندرتها في سورية إنما تتم عبر قروض تدفع من الدول الخليجية أو الاتحاد الاوربي، فالاقتصاد السوري دخل مرحلة العجز التام عن ما يسمى النمو، ولا قدرة له على الاستجابة لتطلعات الشعب السوري في التقدم والرفاهية؛ فمعدل دخل الفرد الذي كان الأعلى في المنطقة في الخمسينيات وفقاً للبنك الدولي هو حالياً أقل بثلاث مرات من نظيره اللبناني وبمرتين من نظيره الأدرني وأربع مرات من نظيره التركي. كما أن نسبة الفقر وفقاً للأرقام الرسمية ازدادت لتصبح 30 بالمئة من الذي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، لذا فعلينا أن ندرك أنه لا بد من تغيير جذري في السياسة الاقتصادية قائمة على العدالة والتنمية المتوازنة بين مختلف المحافظات إذا أردنا للسوري أن يعيش حياة كريمة بدل أن يعمل على مدى الأربع والعشرين ساعة لتأمين لقمة العيش فقط، فالمجتمع السوري اليوم يصنف من أعلى المجتمعات التي تصرف أكثر من 64% على المواد الغذائية فقط، إن من حق المواطن السوري أن ينعم بالحياة والرفاهية وأن يرتفع دخله مع زيادة ساعات عمله لا العكس.

3- تحديث الجيش السوري:

للجيش في سورية مكانة مميزة، فالسوريون يرددون كل صباح (حماة الديار عليكم سلام ) أي أنهم يبدأون نشيدهم الوطني بتحية الجيش وحده دون غيره من المؤسسات الوطنية لما كان له من دور في الاستقلال والحفاظ على الوحدة الوطنية بين أبناء سوريا جميعهم وفوق ذلك فإن أهميته تكمن في أن جزءً من الأراضي السورية لا يزال تحت الاحتلال الاسرائيلي بما يعنيه ذلك من مهام الجيش في التحرير وضمان وحدة وسلامة أراضي الجمهورية.

لكن هذه المؤسسة تعرضت إلى أكبر عملية تهميش وإهمال خلال العقود الأربعة الأخيرة وخاصة بعد حرب تشرين الأول/أكتوبر 1973، فالفساد والواسطة داخله صارا حديث السوريين. والعائلات الميسورة تبحث عن أسهل الطرق عبر الدفع نقداً لتجنيب أبنائها دخول الخدمة الإلزامية، ومع انهيار العقيدة العسكرية داخله وانعدام شبه كامل للدورات التدريبية الحديثة لضباطه ومتطوعيه، والتمييز لصالح فرق عسكرية على حساب أخرى؛ ومع انعدام الموارد المالية في الميزانية فإن مخصصات الجيش قد انخفضت وتزامن ذلك مع زيادة عدد المجندين نتيجة النمو السكاني وبهذا تحول الجيش تماماً الى "عبء" اكثر منه جيشاً محترفاً حديثاً. لذا فلا بد من إعادة الثقة بالجيش لدى السوريين والحفاظ على مكانته لديهم وإعطائه الأولوية في المرحلة القادمة لتحديث معداته الحربية التي تعود الى السبعينات من القرن الماضي وتحويله إلى جيش احترافي بدل كونه قائماً على الخدمة الإلزامية، وهذا لن يكون الا برفع المخصصات المادية له وتحديث قياداته وتأهيلهم النأهيل المناسب.

4-انعطاف في السياسة الخارجية :

دفع السوريون ثمناً مادياً وسياسياً ومعنوياً كبيراً من جراء اتباع سياسة خارجية قائمة على مصالح النظام بدل أن تقوم على أساس تحقيق مصالح الشعب السوري. فقد جرى إهمال قضية الجولان بشكلٍ شبه تام في السياسة الخارجية السورية والتركيز بدلاً عنها على السيطرة على لبنان عبر طرق مختلفة عسكرية أولاً وسياسية ثانياً، وانتفى تماماً المفهوم الدبلوماسي القائم على أن وظيفة السياسة الخارجية إنما هو تمثيل مصالح الشعب السوري وتطلعاته؛ والحفاظ على أمن سورية والسوريين في الخارج عبر خلق قنوات دبلوماسية سياسية وثقافية واجتماعية مع الشعوب الاخرى بما ينعكس في النهاية على تحسين مستوى صورة سورية في الخارج وحياة السوريين في الداخل.

لقد استمر التدخل العسكري في لبنان إلى ما لا نهاية وفقد الجيش السوري أرواحاً بريئة من دون أن يعرف هدف وجوده هناك، قبل أن تستطيع الحشود اللبنانية الغاضبة من اغتيال الحريري من إخراجه؛ واليوم لازال النظام يكرر السياسة ذاتها عبر اللعب على التركيبة الطائفية اللبنانية دون أهداف واضحة أو أن يشرح للسوريين الهدف النهائي المطلوب تحقيقه عبر إثارة الفوضى المستمرة هناك، سيما أن السوريين قد دفعوا ثمناً باهظاً لهذه السياسة بدءً من الاهمال الرسمي وبالتالي الشعبي ثم الدولي لقضية الجولان، حيث لم تستطع سورية استصدار أي قرار دولي لتأكيد حقها في الجولان منذ عام 1974 رغم إدراكها التام باستحالة القيام بأي خطوة عسكرية لاستعادته وهو ما تجلى بالالتزام التام باتفاقية فصل القوات لعام 1974 رغم الخرق الإسرائيلي لها ولمراتٍ عديدة. وبالمقابل فمنذ عام 2005 صدرت خمسة قرارت من مجلس الامن الدولي تتعلق بسورية فيما يخص سياستها مع لبنان (القرار 1701 ولقرار 1559 وغيرها )هذا فضلاً عن محكمةٍ دولية تحوم فيها الشبهات حول تورط مسؤولين سوريين باغتيال الحريري عام 2005، وهذه القرارات ستبقى سيفاً مسلطاً على سورية حتى تلتزم بها بشكلٍ كامل. يضاف إلى ذلك العقوبات المطبقة على سورية من قبل الكونغرس الأمريكي (قانون محاسبة سورية واستعادة السيادة اللبنانية ) الذي لعب الجنرال عون دوراً محورياً في إصداره، فهو يتمتع الآن بموقع الأفضلية في الحكومة اللبنانية عبر وزرائه، بينما يدفع الشعب السوري ثمن هذه العقوبات التي شلّت قطاع الطيران السوري تماماً (تمتلك سوريا اليوم 4 طائرات فقط في حين تمتلك الملكية الأردنية للطيران 36 طائرة)، ومنعت وصول أيّه استثمارات أجنبية رئيسية إلى سورية وعلى رأسها البنوك الكبرى التي تلعب دوراً هاماً اليوم في تمويل مشاريع البنى التحتية الكبرى كالطرقات والسكك الحديدة والمطارات (مطار دمشق الدولي يعود إلى السبعينات وليس لدى سورية قدرة على بناء مطار جديد أو توسيع المطار القائم) ومترو الانفاق وغير ذلك من مشاريع البنى التحتية الهامة جداً ، بل والحاسمة لتحسين حياة السوريين وتحقيق النمو الاقتصادي، وهكذا حرمت سوريا من الاستثمارات الأجنبية ولم يبق لها سوى بعض الاستثمارات الصغيرة التي أتت عبر البنوك الخاصة والشركات العقارية والتي هي استثمارات خليجية بالدرجة الاولى وتركزت على القطاع الخدمي الذي لايلعب دوراً هاماً في خلق فرص عمل منتجة للسوريين أو بناء اقتصادهم. وفي حين كانت هذه العقوبات تشلّ الاقتصاد السوري وتمنعه من التطور، كانت السياسة الخارجية السورية تمعن بتصرفاتها لاستجلاب المزيد منها، بينما يستمر نائب الرئيس السوري فاروق الشرع بالاستهزاء بها ووصفها بأنها (سخيفة )!!

وهذا انعكاس حقيقي لانعدام الخبرة أو الخلفية الاقتصادية لأيٍ من صناع القرار في سوريا اليوم، فجميعهم أتى من خلفية أمنية أو عسكرية أو حزبية ولا يعرفون كيف ينهض الاقتصاد في العالم (رئيس الوزراء السوري العطري وصف شروع المترو في مدينة دمشق بأنه لا شيء أكثر من رفاهية لا حاجة لها !!)

لذلك فبدون تغيير جذري في السياسة الخارجية السورية تجاه دول الجوار أولاً (لبنان والعراق بشكل رئيسي، إذ أنه ليس لسورية سياسة خارجية إقليمية أو دولية أبداً) ووضع قضية الجولان مع القضايا التي تمس السوريين ومصالحهم بموقع الصدارة فإن السوريين سيستمرون بدفع فاتورة فشل هذه السياسة من أرواحهم وجيوبهم .

إذاً، هذه هي باختصار وكما نرى النقاط الأربع الأساسية التي يجب على سورية المستقبل أن تضعها كأولوية لها، ولكن كيف يمكن تحقيق ذلك وعبر أية خطوات من التحول الآمن يجب أن نمشي ؟

إن أكبر تحدي يواجه أي بلد في مرحلة التحول الديموقراطي هو كيفية تفكيك النظام الشمولي. والنظام السوري منذ الجمهورية الثالثة أي مع استلام حزب البعث العربي الاشتراكي السلطة عام 1963 لم يكن مختلفاً عن الكثير من الأنظمة الشمولية التي قامت في أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، لذا فإن مرحلة التفكيك هذه يجب أن تستفيد من الكثير من الدروس الضرورية التي تتضمن الانتقال الآمن والسلمي للديمقراطية، ومحور عملية الانتقال هذه تستند على عمودين رئيسيين :

1- المصالحة من أجل ربح المستقبل:

كان نلسون مانديلا يردد باستمرار المصالحة لا تعني النسيان وإنما تعني إلغاء الثأر والانتقام عبر اللجوء إلى القضاء، وذلك يعني بأنه لا بد أن يقبل كل السوريين: من يشعر بنفسه أنه كان ضحيةً للنظام ومَن يخاف أن يكون أحد ضحايا التغييربأن سورية المستقبل قادرة على حمايتهم جميعاً وأن تؤمّن لهم مستقبلاً أفضل، وهنا لا بد من التأكيد على مبدأ ربح الجميع بمعنى أن المسؤولين الحاليين الذين سيصبحون سابقين يتوجب عليهم إدراك أن تفاوضهم بشأن التحول الديمقراطي هو ضمانةٌ لعدم تعرضهم للعنف في المستقبل. كما أن على الضحايا وهم السوريين بعموميتهم أن يدركوا أن مستقبل البلد يتعلق بمدى قدرتهم على تجاوز الماضي وثأرهم واحتقانهم من أجل الشراكة في سوريا المستقبل وهذا لن يتم بالطبع إلا عبر المفاوضات المشتركة من أجل وضع المخطط الزمني للانتقال الديمقراطي.

2- استعادة الثقة في المؤسسات :

إن أهم ما تخسره الدولة كدولة وليس كسلطة هو فقدان الشعب للثقة بالمؤسسات التي يفترض أن تستمد شرعيتها منه. ولذلك فإن الجهاز الامني وأجهزة الشرطة تكون أول ضحايا عملية التحول لأنها غالباً ما تجسد الوجه القبيح للنظام الدكتاتوري، لذا فإنها تكون الهدف الأسهل للجماهير بعد مرحلة التحول. يأتي بعد ذلك بالطبع (البرلمان)السلطة التشريعية والإعلام الذي غالباً ما يكون مجرد دعاية للنظام الحاكم ،والحزب الذي يكون الواجهة السياسية للحكم .

إن مرحلة التحول الآمن في سوريا يجب أن تنطلق من قناعة رئيسية، وهي أن الشعب السوري فقد تماماً ثقته بالسلطة التنفيذية وعلى رأسها الرئيس ونوابه ورئيس الوزراء والبرلمان أو مجلس الشعب الذي لا يحتفظ بأي دور في عملية صنع القرار ويتم انتخاب أعضائه الى البرلمان عبر انتخابات لا تتحلى بالحد الأدنى من الشفافية والمصداقية والنزاهة فضلاً عن القوانين الانتخابية والسياسية التي تحكم انتخاباته، وبالتالي فلن يكون له أي دور ذو معنى في عملية التحول. إذاً فإن المؤسسة الوحيدة التي بإمكانها قيادة هذا التحول هو الجيش وتحديداً وزير الدفاع الحالي العماد علي حبيب ورئيس الاركان العماد داوود راجحة فكلا الشخصين بما يمثلان من خلفيةٍ يدركها السوريون قد يكونان قادرين على لعب دور محوري بعملية التحول وقيادتها عبر الدخول في مفاوضات مع المدنيين الممثلين لقيادات المعارضة أو أية شخصيات أخرى تحظى باحترام السوريين من أجل تشكيل حكومة انتقالية، وبالتالي وعبر الدخول في هذه المفاوضات التي يجب أن تفضي بدورها إلى جدول زمني لإنجاز عملية التحول الديمقراطي تقوم أولاً على كتابة دستور مؤقت جديد للبلاد يجري التصديق عليه عبراستفتاء وطني تشرف عليه حكومة انتقالية مؤقتة وظيفتها ضمان إنجاز خطوات التحول المذكور الذي يبدأ بالتصديق على الدستور المؤقت الموضوع من قبل خبراء دستوريين وقانونيين وإصلاحيين سياسيين .وبعد ذلك تقوم الحكومة الاننتقالية بوضع قانون جديد للانتخاب والأحزاب السياسية والذي من المفترض أن يحكم عملية انتخاب رئيس الدولة وانتخاب البرلمان، وتشرف على الانتخابات لجنة وطنية مستقلة عبر إشراف قضائي ومراقبين محليين ودوليين، ويفتح الباب أمام تشكيل الاحزاب السياسية التي ستشارك بفعالية في الانتخابات القادمة.

نعتقد أن لا خلاف كبير اليوم على شكل النظام السياسي في سورية، فالنظام يجب أن يبقى رئاسياً برلمانياً لكن مع تحديد كبير لصلاحيات رئيس الدولة في الدستور القادم وإعطاء البرلمان دوراً أكبر في الرقابة والمحاسبة ،وضمان استقلال تام للسلطتين القضائية والإعلامية.

وبالتالي فالبرلمان القادم سيقوم بصياغة دستور جديد ديمقراطي دائم للبلاد، وإقرار قوانين جديدة للأحزاب والانتخابات وتحرير الاعلام وقوانين حديثة لجمعيات المجتمع المدني وغيرها من القوانين التي ترسم ملامح الحياة السياسية لسورية المستقبل .

تبقى مسألة تفكيك النظام الشمولي التي يجب أن تتم عبر استعادة الثقة بمؤسسات الدولة؛

- لا بد إلى الإشارة في البداية إلى ما يعرفه السوريون جميعاً إلى أن الأجهزة الأمنية وأجهزة المخابرات تعتبر صاحبة السلطة الحقيقية في سورية بما تمليه من أحكام على السلطة القضائية وبما تمارسه من اعتقالات بلا مذكرات قضائية، وبما اعتادته من التدخل في كل النواحي الحياتية الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية للسوريين بدءً من تغيير الجامعة إلى نقل كفالة أو وكالة، كل ذلك وغيره يحتاج إلى موافقة أمنية مسبقة وهو ما شلّ قدرة السوريين على الابتكار والمبادرة نتيجة تقييدهم بهذا النظام الأمني القائم على زرع الخوف وتعزيزه عبر الاعتقال والتعذيب بأشكاله المختلفة ومنع السفر. لقد توّسع حجم الأجهزة الأمنية المنبثقة عن إدارة المخابرات الأربع الأساسية وهي المخابرات العسكرية والأمن السياسي والمخابرات الجوية والمخابرات العامة أو أمن الدولة مع نهاية السبعينيات، وأُنيط بها مهام حفظ الاستقرار للنظام القائم بشتى الوسائل والطرق ولذلك ربما يشعر مسؤولو هذه القيادات بأنهم المتضرر الأكبر من عملية التغيير أو التحول عبر فقدانهم لصلاحياتهم المادية والمعنوية ولذلك فمن المؤكد أنهم سيكونون العقبة الكبرى أمام التحول .

لكن في البداية على مسؤولي هذه الأجهزة أن يدركوا أن استمرار الوضع القائم من المحال، وهو ما كان يعتقده مسؤولو المخابرات أو الشرطة السرية التابعة لوزارة الداخلية التونسية في نظام بن علي أو إدارة أمن الدولة والمباحث العامة في نظام حسني مبارك، أو اللجان الشعبية والأمنية التابعة لنظام القذافي.

إن استمرار الوضع الحالي في سورية يبدو مستحيلاً تماماً بل إن وصول الأوضاع إلى ما هي عليه إنما جرى نتيجة تجاوزات هذه الفروع وأجهزتها على مدى عقودٍ طويلة. لذا على مسؤولي المخابرات في سورية إدراك أن تسهيلهم لعملية التحول الآمن في سورية ربما يعطيهم بعض المصداقية في عيون السوريين مما يشجعهم على الدخول في عملية المصالحة بشكلٍ أسرع مما تحقق في غيرها من البلدان.

هذا فضلاً عن أن الأجهزة الأمنية السورية وخلال سنوات الرئيس بشار الاسد قد دخلت في صراعات حادة فيما بينها، وكانت مصدر قلق دائم من قبل الرئيس نفسه مما جعله يعمد إلى تغيير قياداتها باستمرار، فعلى سبيل المثال مرَّ على إدارة المخابرات العامة سبعة رؤساء وهو ما يعادل تقريباً عدد الذين تتابعوا على رئاسة هذا الجهاز على مدى 30 سنة من حكم والده، أي أنه لا توجد ثقة متبادلة بين الرئيس وبعض قيادات الأجهزة الامنية مما يسهّل تخليها عنه في أية مرحلة تحول مستقبلي.

لابد من إصلاح هذه الأجهزة عبر ما يسمى بعملية التطهير وإعادة البناء، إذ لا يجب تفكيكها وحلّها على الفور لئلا تصبح مصدر دائم للفوضى. وإنما لابد من إعادة بنائها مع تغيير وظائفها عبر التركيز على أن وظيفتها هو أمن الشعب وليس أمن النظام .أي ضمان أمن السوريين عبر حقهم الكامل في ممارسة كل حقوقهم القانونية والدستورية، وأيضاً خضوعها لسيطرة ورقابة البرلمان وعدم تجاوزها لصلاحياتها. والأهم من ذلك خضوع قياداتها وأعضاءها للمحاسبة القانونية والقضائية في حال تجاوزها او تعديها أو انتهاكها لأيٍ من الحقوق الأساسية للمواطنين. فلابد من تخفيض أعدادها وتقليص إداراتها الأربع إلى اثنتين فقط كما كان عليه الحال في سورية في الخمسينيات، أي دمج المخابرات الجوية مع المخابرات العسكرية والتي ستكون متخصصة فقط في الحفاظ على أمن الضباط والعسكريين، ودمج الأمن السياسي بالمخابرات العامة التي تكون مسؤوليتها الحفاظ على أمن السوريين كما لابد من تحديث قياداتها وكوادرها عبر ما يسمى دورات التدريب المستمر، والأهم من ذلك كله لابد من القيام بعملية تطهير، فالاشخاص المسؤولين عن عمليات تعذيب أو قتل خارج نطاق القانون لا بد من أن يمثلوا أمام العدالة في حال جرى تقديم دعاوى قانونية بحقهم، وبمقابل ذلك لابد من بناء وتعزيز جهاز الشرطة الذي يجب أن يعكس السلطة الحقيقية في الشارع السوري وتعزيزه بالمعدات والتجهيزات الضرورية من أجل حفظ النظام العام. وبنفس الوقت تدريبه وإعادة تأهيله على كيفية التعامل المهني مع المواطنين عبراحترام الحقوق الإنسانية الأساسية والدستورية.

- أما حزب البعث فجميع السوريين بلا استثناء بما فيهم أعضاء الحزب أنفسهم يعرفون أن الحزب لم يكن سوى واجهة حزبية وسياسية، وتم استخدامه كأحد أعمدة هرم النظام الشمولي في المراقبة وإحكام آليات السيطرة بما يملكه من نفوذ وانتشار يشمل كل المحافظات والمدن والقرى والآحياء والجامعات والمدارس الثانوية والإعدادية والابتدائية والمصانع والشركات وغيرها بما خلقَ حنقاً كبيراً من السوريين تجاهه بوصفه لا يختلف في ممارساته عن ممارسات الأجهزة الأمنية ووسائلها؛ فلابد أولاً من فك العلاقة أو الصلة بين الحزب وبين مؤسسات الدولة، فوفقاً للدستور السوري الصادر عام 1973 فإن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، ومع كتابة دستور جديد فإن حذف هذه المادة سيكون بالتاكيد أهم أولويات الدستور الجديد. لكن ذلك لن يكفي فلا بد من فك العلاقة بشكل كامل بين مؤسسات الدولة وفروع الحزب .فالحزب يعتمد في تمويل رواتب موظفيه على خزينة الدولة .كما أن الحزب يشغل الكثير من مقرات تملكها الدولة،وهنا لابد للدولة السورية من استعادة واسترجاع الممتلكات التي يشغلها الحزب ليتم وضعها في خدمة مؤسسات الدولة المختلفة.

إن سورية اليوم ليس لديها قانون ينظم عمل الأحزاب السياسية. ولذلك فإن حزب البعث عملياً يستمد وجوده مما يسمى "الشرعية الثورية" التي أتت به الى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1963 ولذلك فعملياً يصبح الحزب منحلاً بعد إقرار الدستور الجديد وتأسيس نظام جديد.

وهنا لابد من التأكيد على نقطتين :الأولى أنه يحق لأعضاء الحزب إذا ما بقِيَ أعضاء يؤمنون بأهداف الحزب ودستوره بتأسيس حزب جديد ربما يحمل الاسم نفسه وفقاً لما ينص عليه قانون الأحزاب الجديد، لكن وكما جرى في العديد من دول أوربا الشرقية فلابد من إصدار قانون يحظر على مسؤولي حزب البعث من أعضاء القيادة القطرية أو أعضاء فروع الحزب المختلفة من ترشيح أنفسهم لمنصب سياسي أو حزبي هذا إذا ما ثبت وفقاً للقضاء حصراً تورط المسؤول بقضايا فساد أو انتهاكات حقوق الانسان.

- يبقى في النهاية كأحد أعمدة النظام الشمولي التي لا بد من تفكيكها هي أجهزة الإعلام المختلفة التي تشمل التلفزيون بقنواته المختلفة والإذاعة والصحف وغيرها من المؤسسات التي تعمل تحت مظلة وزارة الإعلام .

فأهم تحديات نظام ما بعد فترة التحول الديمقراطي هو الآلية التي يمكن من خلالها تحرير وسائل الاعلام. والتحدي ينبع من أن كل مؤسسات الإعلام التي تتبع للنظام إنما تردد ما يُملى عليها ولا تتحلى بأي مصداقية لدى الشعب، لكنها بنفس الوقت تشتمل على توظيف المئات إن لم يكن الألوف من العاملين لذا فمن الخطأ حلّها والقذف بموظفيها دون أي عمل.

إن الحل الأمثل والأفضل إنما يكون بتحويل كل هذه المؤسسات إلى مؤسسة واحدة كبيرة تدير نفسها بنفسها تماماً كما هو نموذج BBC في انكلترا حيث تعتمد على دافعي الضرائب البريطانيين لكنها بنفس الوقت مستقلة تماماً عن الحكومة وهي تقوم على المبدأين الأساسيين الذين يقوم عليهما الإعلام اليوم بأشكاله المختلفة السمعية والبصرية والمقروءة وهذان العاملان هما التنافسية والأسبقية؛ فهاجس التنافس يحرّض على الإبداع، والأسبقية في الحصول على الخبر وتحليله، ولذلك يكون النموذج الأمثل هو إلغاء وزارة الإعلام تماماً ودمج كل وسائل الإعلام المختلفة في شركة مساهمة واحدة يديرها مجلس إدارة مستقل تماماً عن الحكومة السورية.

إن معركة السوريين اليوم هي معركة مزدوجة فمن جهة عليهم العمل لاستعادة الجمهورية. تلك التي تحولت تماماً إلى مملكة يتوارثها الأبناء. ومن جهة أخرى العمل لاستعادة الديمقراطية. وفي كلا الحالتين فإن السوريين جميعهم بكل أطيافهم وانتماءاتهم العرقية والدينية والاثنية لا يختلفون أبداً على أولوية النجاح في كلا الحالتين، فسورية أرض حضارات عريقة متعاقبة، منها انطلق فجر الحضارة الاسلامية، واستمرت على مر التاريخ منبعاً ومنارةً للأفكار الخلاّقة والمبدعة وكان للسوريين الدور الأبقى في نشر الفكر العروبي على امتداد العالم العربي. الآن عليهم قيادة معركة الحريات ونشرها في العالم العربي، فدمقرطة الأنظمة العربية هو السبيل الوحيد لوضع أولويات ومصالح الشعوب على حساب مصالح الأنظمة، وهو ما يفتح المجال لبناء فضاء جيوسياسي واقتصادي عربي قادر على تحقيق الرفاهية لشعوب المنطقة كافة، وعلى توظيف إمكانيات هذا الفضاء السياسية والاقتصادية في استعادة الأراضي العربية المحتلة التي لم تجد عقود من إطلاق الشعارات في استعادتها..

في النهاية، فإن الأمر يتعلق أولاً بالرئيس السوري الحالي بشارالأسد؛ فعليه أن يختار بين أن يذكره السورييون كبطل للتحول الديمقراطي قاد بلاده نحو الانفتاح والديمقراطية، أو أن يسجله التاريخ كدكتاتورسابق لفظه الشعب عبر ثورة شعبية كما كان مصير الرئيس التونسي والمصري والليبي.

إن الإسبان وإلى اليوم يستذكرون رئيس الوزراء سوايرس الذي قاد معركة التحول الديمقراطي بعد وفاة فرانكو وكان جريئاً ومؤمناً بنفس الوقت ولذلك سجله التاريخ كبطل يستعيده الإسبان دوماً، والتاريخ نفسه سجّل سوهارتو في أندونيسيا وتشاوشيسكو في رومانيا و ماركوس في الفليبين كطغاة حكموا بلدهم وظلوا إلى اللحظة الاخيرة يعتقدون أن لا بديل لأوطانهم عنهم حتى خرجوا في النهاية عبر ثورات خلدها التاريخ .

24.4.11

قائدنا مرتزق و شيخنا قرصان

الشاعر: نزار قباني


                                     قصيدة ممنوعة للشاعر




مواطنون دونما وطن  ... مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن
                                          مسافرون دون أوراق .. وموتى دونما كفن
نحن بغايا العصر ... كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن
              نحن جواري القصر ... يرسلوننا من حجرة لحجرة
                                     من قبضة لقبضة ... من مالك لمالك
                                                     ومن وثن إلى وثن
نركض كالكلاب كل ليلة من عدن لطنجة ... ومن طنجة إلى عدن
             نبحث عن قبيلة تقبلنا ... نبحث عن ستارة تسترنا
                                            وعن سكن....... وحولنا أولادنا 
إحدودبت ظهورهم وشاخوا وهم يفتشون في المعاجم القديمة ...عن جنة نظيرة
عن كذبة كبيرة .. كبيرة ........... تدعى الوطن


مواطنون نحن فى مدائن البكاء ... قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء 
      حنطتنا معجونة بلحم كربلاء
          طعامنا .. شرابنا
               عاداتنا .. راياتنا
                    زهورنا .. قبورنا
جلودنا مختومة بختم كربلاء
لا أحد يعرفنا فى هذه الصحراء
                          لا نخلة .. ولا ناقة ..لا وتد .. ولا حجر 
لا هند .. لا عفراء
     أوراقنا مريبة .. أفكارنا غريبة ... أسماؤنا لا تشبه الأسماء
فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا ... ولا الذين يشربون الدمع والشقاء
                           
 معتقلون داخل النص الذى يكتبه حكامنا 
        معتقلون داخل الدين كما فسره إمامنا ....
             معتقلون داخل الحزن .. وأحلى ما بنا أحزاننا
                  مراقبون نحن فى المقهى .. وفي البيت ... وفى أرحام أمهاتنا!!
حيث تلفتنا وجدنا المخبر السري في انتظارنا
                                      يشرب من قهوتنا 
                                      ينام فى فراشنا
                                      يعبث فى بريدنا
                                      ينكش فى أوراقنا
                                      يدخل فى أنوفنا
                                      يخرج من سعالنا
لساننا .. مقطوع
ورأسنا .. مقطوع
وخبزنا مبلل بالخوف والدموع
إذا تظلمنا إلى حامي الحمى 
                                 قيل لنا: ممنـــوع
وإن تضرعنا إلى رب السما
                                 قيل لنا: ممنوع
وإن هتفنا .. يا رسول الله كن في عوننا
                                            يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع
وإن طلبنا قلماً لنكتب القصيدة الأخيرة
                                      أو نكتب الوصية الأخيرة 
                                               قبيل أن نموت شنقاً
                                                    غيروا الموضوع


يا وطنى المصلوب فوق حائط الكراهية ... يا كرة النار التى تسير نحو الهاوية
            لا أحد من مضر .. أو من بني ثقيف  .. أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف
زجاجة من دمه ..... أو بوله الشريف
لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة أهداك يوماً معطفاً أو قبعة
                                                  يا وطنى المكسور مثل عشبة الخريف
مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا ... مهجرون من أمانينا وذكرياتنا
عيوننا تخاف من أصواتنا ... حكامنا آلهة يجري الدم الأزرق في عروقهم
                                                                        ونحن نسل الجارية
لا سادة الحجاز يعرفوننا .. ولا رعاع البادية
                                         ولا أبو الطيب يستضيفنا .. ولا أبو العتاهية 
إذا مضى طاغية ........... سلمنا لطاغية


مهاجرون نحن من مرافئ التعب ... لا أحد يريدنا
من بحر بيروت إلى بحر العرب
                                  لا الفاطميون ... ولا القرامطة
ولا المماليك … ولا البرامكة 
                                  ولا الشياطين ... ولا الملائكة
لا أحد يريدنا
لا أحد يقرؤنا
فى مدن الملح التى تذبح فى العام ملايين الكتب
لا أحد يقرؤنا
فى مدن صارت بها مباحث الدولة عرّاب الأدب


مسافرون نحن فى سفينة الأحزان
                                    قائدنا مرتزق وشيخنا قرصان
مكومون داخل الأقفاص كالجرذان
                                    لا مرفأ يقبلنا ... لا حانة تقبلنا
كل الجوازات التى نحملها ... أصدرها الشيطان
                                     كل الكتابات التى نكتبها ... لا تعجب السلطان
مسافرون خارج الزمان والمكان
مسافرون ضيعوا نقودهم .. وضيعوا متاعهم!!
ضيعوا أبناءهم .. وضيعوا أسماءهم .. وضيعوا انتماءهم ... وضيعوا الإحساس بالأمان
                              فلا بنو عدنان يعرفوننا .. ولا بنو قحطان
                                                       ولا بنو ربيعة .. ولا بنو شيبان
                                                   ولا بنو ' لينين ' يعرفوننا .. ولا بنو ' ريجان '
يا وطني .. كل العصافير لها منازل
إلا العصافير التى تحترف الحرية .... فهى تموت خارج الأوطان


******************************************************

4.4.11

( ما الذي حصل و ما الذي يحصل ... العلاقات السورية الإيرانية )

               العلاقات الخاصة بين إيران وسورية لم تبدأ بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، بل بدأت قبل ذلك بسنوات، ولم تبدأ في دمشق، بل بدأت في لبنان وعلى يد لبناني ـ إيراني هو موسى الصدر. فقبل قيام الثورة الإيرانية بسنوات كان هناك الكثير من الإيرانيين من أنصار آية الله الخميني يتنقلون بين لبنان والعراق بعدما بات وجودهم في إيران خطرا على حياتهم وعلى تحركاتهم. موسى الصدر كان له الفضل في بناء اللبنة الاولى للعلاقات الخاصة بين طهران ودمشق وحركة أمل. فهو لبناني الأصل، لكنه ولد وتعلم وعاش في قم بإيران لسنوات طويلة قبل أن يعود الى لبنان وهو مسقط رأس عائلته، وبالإضافة لكل هذا تربطه بقائد الثورة الإيرانية آية الله الخميني صلة نسب حيث أن أحمد الخميني متزوج من بنت أخت موسى الصدر وابن الصدر متزوج من حفيدة الخميني. توجه الصدر الى لبنان عام 1958 وأقام فيها وحصل على الجنسية اللبنانية بقرار من الرئيس اللبناني فؤاد شهاب بعد فترة قصيرة من وجوده في لبنان. وخلال سنوات وجود الصدر في لبنان، كون علاقات وثيقة مع أنصار الخميني الذين فروا من إيران أواخر سنوات الشاه واستقروا في لبنان لمواصلة التحضير للثورة الإيرانية.
           في عام 1969 اختير الصدر رئيسا للمجلس الشيعي الاعلى الذي أسسته الحكومة اللبنانية استجابة لطلبات الشيعة. وادى انشاء المجلس الاعلى للشيعة الى فصلهم عن السنة لأول مرة، فصار الشيعة طائفة مستقلة مثلهم مثل الموارنة والسنة. كذلك قام الصدر بإنشاء المدارس والنوادي الشيعية. وفي عام 1974 أنشأ «حركة المحرومين» لتكون تجسيدا للكيان السياسي لشيعة لبنان، ثم أنشأ عام 1975 افواج المقاومة اللبنانية التي عرفت اختصارا باسم (أمل) لتكون الذراع العسكري لـ«حركة المحرومين». لم تكن «حركة المحرومين» و«أمل» لبنانيتين فقط، إذ انضم اليهما إيرانيون أيضا من بينهم مصطفى جمران، وهو ناشط إيراني عاش في لبنان قبل الثورة الإيرانية، وكان من كبار مساعدي موسى الصدر. كما كان يتولى الإشراف على فروع حركة امل العسكرية قبل نشوب الثورة الإيرانية. وبعد نجاح ثورة الخميني عين جمران أول وزير دفاع في الحكومة الإيرانية. عبر حركة أمل وموسى الصدر ورفاقه الايرانيين تعرف نظام الرئيس السوري الراحل حافظ الاسد على الخميني وأفكاره قبل الثورة الإيرانية، حتى أن عددا من الناشطين الإيرانيين في «أمل» كانت معهم جوازات سفر دبلوماسية سورية للتخفي والتمويه. أحد صناع القرار الاساسيين في سورية خلال تلك الفترة وأحد شهود العيان المباشرين هو عبد الحليم خدام، النائب السابق للرئيس السوري حافظ الاسد، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن تلك الفترة قائلا: «قبل الثورة الإيرانية عام 1979 كانت لدى سورية علاقات مع العناصر التي تحضر الثورة الإيرانية من جماعة الخميني عبر موسي الصدر. موسى الصدر كان صديقنا وهو من جماعة الخميني. كان هناك حزب تحرير إيران، حزب تحرير إيران كان يعمل تحت عمامة موسى الصدر. وكان من هذا الحزب أول وزير دفاع في اول حكومة في إيران بعد الثورة الإيرانية وهو جمران. وكان جمران من حركة أمل اللبنانية. علاقة النظام في سورية مع الثورة الإيرانية والخميني كانت عبر موسى الصدر وجماعته. حتى أن المجموعة المحسوبة على موسى الصدر من إيران كلها كانت معها جوازات سفر دبلوماسية سورية». علاقة الصدر بعناصر قيادية في الثورة الإيرانية آنذاك دلت على ان الناشطين للتحضير للثورة الإيرانية لم يكونوا من رجال الدين فقط. في الواقع لم يكن رجال الدين إلا شريحة وسط شرائح اخرى عديدة؛ من بينها المثقفون من التيارات الوطنية والليبرالية والاسلامية القومية، بالاضافة الى طلاب وجامعيين. بمعنى آخر لم يكن للناشطين ضد شاه إيران آنذاك طابع ديني محض لدرجة ان اميركا اعتقدت ان التيار الليبرالي في الثورة الإيرانية الذي قاده شهبور بختيار (زعيم الجبهة الوطنية، احد اهم تيارات الثورة الإيرانية) وإبراهيم يزدي (أول وزير خارجية في حكومة إيران بعد الثورة) ومهدي بازركان (أول رئيس وزراء في حكومة ما بعد الثورة) هو الذي سينتصر، وان الخميني وجماعته ما هم سوى وقود للثورة سيخبو بريقهم وتأثيرهم بعد نجاحها. وعولت على هذا، وعلى امكانيات الحوار مع ليبراليي الثورة إذا نجحت في اطاحة الشاه، وهذا ما لم تكن اميركا تريده، لكنها كانت جاهزة له. وربما شعر رجال دين نافذون من المشاركين في الثورة الإيرانية أن دورهم سيتقلص في دولة ما بعد الثورة إذا ما قدر للوجوه الليبرالية والمثقفين في الثورة أن يلعبوا دورا أكبر. وكانت هناك وجوه وقيادات اثارت قلقا لدي رجال الدين في قيادات الثورة، على رأسهم موسى الصدر زعيم حركة أمل، فهو اولا رجل دين، لكنه حديث أو عصري وهو إيراني عربي ولبناني تحديداً، وهمزة الوصل بين الجامعة او الطلاب والحوزة العلمية، كما كانت تربطه علاقات وثيقة جدا بحركة «تحرير إيران» التي كان قوامها من التكنوقراط والمثقفين والوطنيين الليبراليين. في الأشهر القليلة التي سبقت الثورة، ربما شعر رجال الدين من المشاركين في الثورة بالقلق على مآل الثورة وتوجهاتها إذا كان لاشخاص مثل الصدر ويزدي وبختيار وبازركان أن يلعبوا الدور الاساسي في الحكم، وليس رجال الدين. وسط هذه المخاوف، ومخاوف اخرى من اسرائيل ودول عربية وغربية لم تشعر بالارتياح للادوار التي يلعبها الصدر على الساحة اللبنانية والعربية والإيرانية .
          أختفى موسى الصدر في 25 أغسطس (آب) 1978، اي قبل 6 اشهر فقط من قيام الثورة الإيرانية في فبراير (شباط) 1979، وذلك خلال قيامه بجولة الى بعض الدول العربية للدعوة لعقد مؤتمر قمة عربي لإنهاء الازمة اللبنانية. اختفى الصدر خلال محطته الليببة وسط تكتم ليبي على الزيارة وعلى اختفائه. وبعد اختفائه لم تستطع حركة أمل إدارة علاقتها مع الخميني والثورة الإيرانية، مما فتح الباب أمام ولادة حزب الله .
و المفكر اللبناني هاني فحص، الذي كان خلال تلك السنوات ضابط ارتباط بين الثورة الفلسطينية، حركة فتح وأبو عمار من جهة، وبين الخميني من جهة اخرى. حيث كانت مهمته ارسال رسائل ورؤى والتنسيق بين الطرفين. في شهادة لـ«الشرق الأوسط» يعلن فيها عن أسرار لم تكشف من قبل: «لا بأس من التمييز، جزئياً بغاية الإيضاح، بين حركة أمل وبين الإمام السيد موسى الصدر الذي عايش المراحل التي كانت في مقدمات الثورة الإيرانية وتم تغييبه لأسباب كثيرة ربما كان من بينها موقعه المتوقع والمفترض في سياق الثورة بعد نجاحها، حيث لم يكن هذا النجاح مستبعداً لدى الأطراف الدولية الصديقة للشاه ونظامه، خاصة الولايات المتحدة، فمن المعروف في الأوساط المعنية أن الولايات المتحدة الأميركية كانت على شبه يقين من نهاية الشاه لمرضه الشخصي ومرض نظامه الذي فقد قوة الدفع الذاتية واستنفد، وبدت مسألة استمراره من خلال الورثة المفترضين (نجل الشاه رضا وشقيقته أشرف) والمتنازعين بقوة بسبب الحساسية الحادة بين والدة ولي العهد ـ فرح ديبا ـ وشقيقة زوجها والنزاع على الثروة والنفوذ، غير مرجحة. ومن هنا كانت سفرات المسؤولين في المخابرات الأميركية المتكررة إلى طهران والنصائح التي أسدوها بشكل أو آخر إلى الشاه بأن يتعامل مع شاهبور بختيار والجبهة الوطنية (جبهة ملي) بقيادة كريم سنجابي وحركة تحرير إيران (نهضت آزاري إيران) بقيادة مهدي بازركان، معتبرين أن هؤلاء هم الأساس في الحركة الاعتراضية الإيرانية وأنه يمكن التفاهم معهم لاحقاً بنسب مختلفة. وأن الخميني ورجال الدين إنما هم وقود للثورة ولن يلبثوا أن يتراجعوا أو يغيبوا بعد تشكيل الدولة الجديدة على أسس ليبرالية وعلاقات تفاهم مع واشنطن، وقد ظهر ذلك في اللقاء بين إبراهيم يزدي وزبغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في الجزائر والذي أدى إلى انفجار الصراع مع الخميني واحتلال السفارة الأميركية تمهيداً لإسقاط حكومة بازركان ومجمل الأطروحة الليبرالية للثورة الإيرانية بعدما تحول التحالف إلى صراع بين حركة تحرير إيران من جهة والجبهة الوطنية من جهة ثانية». (قال يزدي سابقا أن أول أتصال بين قيادة الثورة وأميركا تم عبر الرئيس الفرنسي جيسكار ديستان الذي نقل رسالة من واشنطن للخميني، تبع ذلك تواتر الرسائل بين طهران وواشنطن مما اثار انزعاج التيارات المحافظة في الثورة. وكان لقاء يزدي وزبغنيو برجينسكي في الجزائر الشرارة التي ادت الى الصراع بين التيارات الليبرالية والمحافظة في الثورة). ويتابع فحص: «يقول شهود من رجالات عهد الشاه الذين حضروا لقاءات إسداء النصح والأوامر الأميركية إلى الشاه، بأن الشاه اكتشف انه امام كارثة تخلي واشنطن عنه، ما دفع الشهود إلى الإحساس بأن الشاه ليس حاكماً فعلياً وجعلهم يشعرون بجرح قومي عميق وشرعوا يتركون مواقعهم في الدولة تباعاً أو يتقاعسون عن أداء مهماتهم أو يتواطأون مع الثوار بنسبة أو بأخرى. في هذه اللحظة تم تغييب الإمام الصدر لأسباب لبنانية وعربية وإسرائيلية. أما السبب الإيراني المفترض والموصول بجملة الأسباب الأخرى، فهو أن الإمام الصدر رجل دين حديث أو عصري، إيراني عربي ولبناني تحديداً. انفتحت امامه آفاق عربية ودولية رفعت من خبرته وأهليته للشراكة في مستقبل إيران بعد الثورة معتمداً على تاريخه وكونه ابن مراجع وأول وصلة بين الجامعة والحوزة وعضواً فاعلاً في مجموعة إصلاحية مبكرة التقت حول المرجع السيد حسين البروجردي ومن الفاعلين فيها محمد حسين بهشتي وموسوي أردبيلي وأمثالهما من مشاهير إيران وصانعي الثورة ودولتها. ومن هذا الموقع أصبح الصدر على صلة بمجموعة الإمام الخميني، وفي اللحظة التي كان فيها التفاهم والتعاون واسعاً بين هذه المجموعة غير المنظمة وبين حركة تحرير إيران والجبهة الوطنية، مع تعامل الجميع وعلى رأسهم السيد محمود طالقاني مع مجاهدي خلق، قبل أن ينقسموا لاحقاً إلى تيار إسلامي محض، وتيار لفق أطروحة مركبة من الوطنية الإيرانية والماركسية والإسلامية، وعلى أساسها تصدى مبكراً للثورة والدولة التي نتجت في لقاء الليبراليين الإسلاميين مع التيار الديني ورجال الدين». ويوضح فحص أن تيارا في الثورة الإيرانية، قبل نجاحها، توترت علاقته مع الصدر بشكل مؤقت بسبب قيام الصدر في اوائ السبعينات بزيارة الى إيران حيث قابل شاه ايران من أجل طلب العفو عن أحد عشر من رجال الدين والثوريين صدر في حقهم حكم بالاعدام، فقد انقسم رجال الدين من عناصر الثورة الإيرانية حول هذه الزيارة بين متفهم وشاجب لها. إلا أن التوترات بين الصدر وبين تيار من الثورة الإيرانية كانت لها جذور غير هذا من بينها موقع ودور الصدر المفترض عندما تنجح الثورة، ومن بينها أنه سيكون وسيطاً بين الليبراليين الإسلاميين وبين رجال الدين، وذلك بحكم علاقته الوثيقة بكل من الطرفين خصوصا حركة تحرير إيران. ويضيف فحص: «كانت علاقة الإمام الصدر بحركة تحرير إيران وثيقة وعميقة وشبه عفوية ما جعل له دالَّة على قياداتها، التي اعتبر بعضهم الإمام الصدر أستاذه، وإن كان يكبره سناً مثل الدكتور يد الله صحابي وزير العلوم في أول حكومة إيرانية بعد نجاح الثورة، كما صرح لي في الأسبوع الأول لنجاح الثورة، الشهيد مصطفى جمران الذي جعلته تجربته المركبة علميا وثقافيا من إيران إلى الولايات المتحدة إلى لبنان وشراكته للإمام الصدر مثالا للجميع حتى أساتذته في الجامعة الإيرانية. إلى الدكتور صادق طباطبائي، نائب رئيس الوزراء في الوزارة الأولى وابن شقيقة الإمام الصدر، إلى الآخرين، من صادق قطب زادة إلى إبراهيم يزدي إلى عزة الله صحابي وغيرهم وكلهم من أبرز وجوه الثورة الإيرانية. وعليه فإذا ما نجحت الثورة وكونت دولتها كما كان متوقعاً إجمالاً لدى واشنطن مع اختلاف في التفاصيل المتوقعة فإن موقع ودور الإمام الصدر سوف يكون فاعلاً ومؤثراً. لأنه سوف يكون قناة إيران على الدول والشعوب العربية وقناة العرب على إيران. ولأنه سوف يكون وسيطاً بين الليبراليين الإسلاميين وبين حركة الإمام الخميني ورجال الدين، ما يؤهله للتوفيق ومنع الانفجار من موقع القيادة الذي كان ينتظره في طهران.من دون أن يعني ذلك أن علاقته كانت فاترة أو سلبية مع تيار الإمام الخميني، بل إنه في وجوده في لبنان شكل ملتقى للجميع، فقد تعرفنا على عدد من القيادات الليبرالية الإسلامية في لبنان أثناء زياراتها المتكررة للامام الصدر والاستماع الى نصحه وارشاداته، تماما كما تعرفنا الى نجلي الامام الخميني السيد مصطفى الذي كان صديقا حميما للسيد الصدر والسيد أحمد الذي يمت الى الامام الصدر بقرابة مصاهرة. وقد تشوشت علاقة الامام الصدر بهذا التيار او بجزء منه مرة واحدة ثم عادت الى الصفاء. فقد زار الامام الصدر إيران في اوائل السبعينات وقابل شاه ايران وانقسم رجال الدين حول هذه الزيارة بين متفهم وشاجب لها ولم يعرف عن الامام الخميني انه تناولها بكلمة سوء. وقد برر السيد موسى الصدر هذه الزيارة بأنها من أجل طلب العفو عن أحد عشر من رجال الدين والثوار صدر في حقهم حكم بالاعدام. ولكن الشاه لم يكن يريد أن يعطي هذه الفضيلة للامام الصدر، لانه يعرف موقعه، فنفذ حكم الاعدام وقد سبق للامام الصدر أن بذل جهودا جبارة لمنع اعتقال تيمور بختيار الرئيس السابق للسافاك وقتها، والذي اتهم بالتآمر على الشاه، فلم يعتقل في بيروت ولم يسلم الى الشاه بجهود الصدر وانتقل الى العراق، حيث تم اختراق حراساته بفارين مبعوثين من الامن الايراني في طهران تواطأوا مع الأمن العراقي واغتالوه. وفي مقابلة مع جريدة «المحرر» اللبنانية عام 1974 قال السيد الصدر ان علاقته بشاه ايران لم تكن عدائية ولكن المخابرات هي التي خربتها، خاصة بعد حركته المطلبية في لبنان (حركة المحرومين والمطالب الاجتماعية والسياسية لانصاف الشيعة) وانزعاج اصدقاء الشاه اللبنانيين منها (مثل كميل شمعون وبيير الجميل وعدد من السياسيين الشيعة) فألغيت جنسيته الايرانية وسحب السفير الايراني منصور قدر (نائب رئيس السافاك سابقا) جواز سفره وبدأ العمل على تشويه سمعته بالتعاون مع عدد من السياسيين الموارنة والشيعة وعدد من رجال الدين الشيعة». عدم عداء موسى الصدر للشاه، وتصريحاته ان السافاك هو الذي خربها، جعلت الكثير من المقربين من الخميني يتحدثون بطريقة مشككة في معتقدات الصدر وآرائه، ويعطون للخميني افكارا ومعلومات مغلوطة عنه، اضرت علاقته بالخميني لبعض الوقت. وفي هذا الصدد يقول فحص: «في لقاءاتي التنسيقية مع بدايات الثورة من نهاية عام 1976 الى خريف 1978 كنت اخوض نقاشا حارا داخل فريق الامام الخميني بين مجموعتين، مجموعة تشكك في السيد موسى الصدر ومجموعة تدافع عنه بحرارة. وفي شتاء عام 1978 طلبني السيد الصدر للقاء، وشكا لي من نشاط اعلامي ضده، معتبرا اني شريك فيه مع مركز التخطيط الفلسطيني وقيادات ايرانية محسوبة على الخط الاسلامي، فأوضحت له أني غير موافق وان مركز التخطيط بريء وتكفلت بالضغط على الايرانيين الذين كانوا يمارسون هذا الدور لايقافه، وقد استجابوا بعدما اخبرتهم بأني استشرت فريق الامام الخميني في النجف وشجعني على ذلك.. لا ادري ما الذي حصل، فقد استدعاني الامام الصدر الى مكتبه وبلغني ارتياحه لدوري في التواصل مع القيادات والكوادر الايرانية في النجف وبيروت وسائر بلاد المنفى وقال: احب أن تضعني في الصورة باستمرار وانا جاهز لتلبية أي طلب، وطلب مني ان اعرف الكوادر في حركة أمل بحقيقة الوضع في ايران وان اعرفهم بالحراك السياسي وافاقه هناك، ثم غاب الامام الصدر بعيد استشهاد السيد مصطفى الخميني نجل الامام في النجف في ظروف غامضة وبدء الحركة الاحتجاجية ضد الشاه». غيب موسى الصدر فجأة، وترك وراءه حركة أمل غير واثقة من الطريقة المثلى للتعامل مع الخميني ونظامه بعد نجاح الثورة الإيرانية. فقد شعرت قيادات في حركة امل بالغضب من العلاقات بين قادة الثورة الإيرانية والنظام الليبي، الذي شعر مسؤولو حركة أمل أنذاك أنه مسؤول، بطريقة او بأخرى، عن اختفاء موسى الصدر.
     ويوضح هاني فحص: «غيب الامام الصدر، ترك وراءه المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى الذي كان حائرا في علاقته بالثورة، لا يريد المغامرة وعلاقته غير وثيقة بالامام الخميني، ومن هنا كان اصراره على استجلاء موقف السيد الخوئي من الثورة (علاقة حركة أمل مع الخميني كانت محصورة بأشخاص في لبنان، وعندما غاب موسى الصدر توجه قادة أمل الذين لم تكن لهم علاقة مع الخميني، الى الخوئي ليسألوا رأيه في الثورة الإيرانية والخميني وكان هذا موقفا طبيعيا لأن الخوئي كان هو المرجع الشيعي)، خاصة بعد تعرض الخوئي لمضايقات من النظام العراقي واجباره له على استقبال فرح ديبا، ما ظهر معه وكأن الامام الخوئي معاد للثورة وللامام الخميني، واضطر للتصريح بأنه كان وما زال ضد نظام الشاه.. ونحن نذكر ان السيد الخوئي قد رحب بمجيء السيد الخميني الى النجف بعد ما شكا نظام الشاه من ان الدولة التركية لم تستطع الزام الخميني بعدم ممارسة نشاطه ضد النظام الايراني، وطلب اعادة نفيه الى النجف ليكون جزءا من الحوزة وانشغالاتها العلمية بعيدا عن السياسة. وترك الصدر وراءه كذلك حركة أمل التي كان من المفترض ان تندفع نحو الثورة.. وقد اندفعت الا ان هناك سدا وقف في وجهها وعقد علاقتها بايران .


*******************************************************************

2.4.11

( أحمــد العربي )


                        ((  محمود درويش ))          








          


.........  ليدين من حَجَر وزعترْ هذا النشيدُ… لأحمدَ المنسيِّ بين فراشتين
                                    مَضَتِ الغيومُ وشرَّدتني ،ورمتْ معاطِفها الجبالُ وخبأتني
… نازلاً من نحلة الجرح القديم إلى تفاصيل البلاد ...
                                                    وكانت السنةُ انفصال البحر عن مدن الرماد
وكنتُ وحدي .. ثم وحدي …آه يا وحدي؟ وأحمدْ ... كان اغترابَ البحر بين رصاصتين
                                                               مُخيَّماً ينمو، ويُنجب زعتراً ومقاتلين
وساعداً يشتدُ في النسيان ...
                    ذاكرةً تجيء من القطارات التي تمضي وأرصفةً بلا مستقبلين وياسمين
 كان اكتشافَ الذات في العرباتِ ... أو في المشهد البحريِّ
في ليل الزنازين الشقيقةِ ،في العلاقات السريعة ... والسؤال عن الحقيقةْ
في كلِّ شيء كان أحمدُ يلتقي بنقيضه ... عشرين عاماً كان يسألْ
عشرين عاماً كان يرحلْ ... عشرين عاماً لم تلدهُ أمُّهُ إلا دقائق في إناء الموز وانسَحَبَتْ.
يريد هويةً فيصاب بالبركان،
                              سافرتِ الغيومُ وشرَّدتني ... ورَمَتْ معاطفها الجبالُ وخبَّأتني
أنا أحمد العربيُّ – قالَ ... أنا الرصاصُ البرتقالُ الذكرياتُ
                             وجدتُ نفسي قرب نفسي ... فابتعدتُ عن الندى والمشهد البحريّ
تل الزعتر الخيمةْ ،وأنا البلاد وقد أتَتْ وتقمَّصتني ... وأنا الذهاب المستمر إلى البلاد
                                                                         وجدتُ نفسي ملء نفسي…
راح أحمدُ يلتقي بضلوعه ويديه ... كان الخطوةَ – النجمةْ
ومن المحيط إلى الخليج، من الخليج إلى المحيط ... كانوا يُعدّون الرماحَ
                                                     وأحمدُ العربيُّ يصعد كي يرى حيفا ويقفزَ.
أحمدُ الآن الرهينةْ ، تركتْ شوارعَها المدينةْ وأتتْ إليه لتقتلهْ
ومن الخليج إلى المحيط، من المحيط إلى الخليج ... كانوا يُعدوُّن الجنازةَ
                                                                                    وانتخاب المقصلةْ
أنا أحمدُ العربيُّ – فليأتِ الحِصارْ ... جسدي هو الأسوار – فليأت الحصار
وأنا حدود النار – فليأت الحصار ... وأنا أحاصركم ... أحاصركم
                                                      وصدري بابُ كلِّ الناس – فليأت الحصار
              لم تأتِ أغنيتي لترسم أحمدَ الكحليَّ في الخندقْ
              الذكرياتُ وراء ظهري، وهو يوم الشمس والزنبق
يا أيها الولد الموزَّعُ بين نافذتين ... لا تتبادلان رسائلي
                                                   قاومْ ... إنَّ التشابه للرمال… وأنتَ للأزرقْ
وأعُدُّ أضلاعي فيهرب من يدي بردى ... وتتركني ضفاف النيل مبتعدا
                                    وأبحثُ عن حدود أصابعي ... فأرى العواصمَ كلّها زَبَدَا…
وأحمدُ يفرُكُ الساعاتِ في الخندقْ ... لم تأتِ أُغنيتي لترسم أحمد المحروق بالأزرق
                                      هو أحمد الكَوْنيُّ في هذا الصفيح الضيِّقِ المتمزَّق الحالمْ
                                           وهو الرصاص البرتقاليُّ… البنفسَجَةُ الرصاصيَّةْ
وهو اندلاعُ ظهيرة حاسمْ ... في يوم حريَّةْ
                                                     يا أيها الولد المكرّس للندى ... قاوِمْ ‍!
يا أيها البلد – المسدَّس في دمي ... قاوِمْ ‍!
              الآن أكمل فيك أُغنيتي ... وأَذهبُ في حصاركْ ... والآن أكمل فيك أسئلتي
                                                                               ... وأولد من غبارك
فاذهب إلى قلبي تجد شعبي ... شعوباً في انفجارك
… سائراً بين التفاصيل اتكأتُ على مياهٍ ، فانكسرتُ
أكلّما نَهَدَتْ سفرجلةٌ نسيتُ حدود قلبي ... والتجأتُ إلى حصارٍ كي أحدِّد قامتي
                                                                                    يا أحمد العربيُّ؟
لم يكذب علي الحب ... لكن كُلّما جاء المساء ، امتصَّني جَرَسٌ بعيدٌ
                                      والتجأتُ إلى نزيفي كي أحدد صورتي ، يا أحمد العربيّ
    لم أغسل دمي من خبز أعدائي
                      ولكن كُلّما مرَّت خُطايَ على طريقٍ ... فرَّتِ الطرقُ البعيدةُ والقريبةُ
 كلّما آخيتُ عاصمةً رمَتني بالحقيبةِ
                                               فالتجأتُ إلى رصيف الحلم والأشعار
                                                          كم أمشي إلى حُلْمي فتسبقني الخناجرُ
آه من حلمي ومن روما ‍ ... جميلٌ أنت في المنفى ... قتيلٌ أنت في روما
وحيفا من هنا بدأتْ ... وأحمدُ سُلَّمُ الكرملْ ... وبسملة الندى والزعتر البلدي والمنزلْ
لا تسرقوه من السنونو ... لا تأخذوه من الندى
                                             كتبت مراثيها العيونُ ... وتركت قلبي للصدى
لا تسرقوه من الأبدْ ... وتبعثروه على الصليب
         فهو الخريطةُ والجسد ... وهو اشتعال العندليب
              لا تأخذوه من الحَمَامْ ... لا ترسلوهُ إلى الوظيفةْ
                    لا ترسموا دمه وسام ... فهو البنفسج في قذيفةْ
صاعداً نحو التئام الحلم  ... تَتَّخذُ التفاصيلُ الرديئةُ شكل كُمَّثرى
                                        وتنفصلُ البلادُ عن المكاتب .... والخيولُ عن الحقائبِ
للحصى عرقٌ أقبِّلُ صمتَ هذا الملح ... أعطي خطبة الليمون لليمون
                               أوقدُ شمعتي من جرحيَ المفتوحِ للأزهار ... والسمكِ المجفَّف
للحصى عَرَقُ ومرآةٌ ... وللحطّاب قلبُ يمامةٍ
أنساكِ أحياناً لينساني رجالُ الأمنِ ... يا امرأتي الجميلةَ تقطعين القلب والبَصَل
                                                                    الطريَّ وتذهبين إلى البنفسج
فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ … وصاعداً نحو التئام الحلمِ ...
                       تنكمش المقاعدُ تحت أشجاري وظلّك …  
                             يختفي المتسلّقون على جراحك كالذباب الموسميّ .............
                                                                 ويختفي المتفرجون على جراحك 
فاذكريني قبل أن أنسى يديَّ! .... وللفراشات اجتهادي ... والصخورُ رسائلي في الأرض
                                                                 لا طروادة بيتي ... ولا مسّادةٌ وقتي
وأصعد من جفاف الخبز والماء المصادَرِ ... من حصان ضاع في درب المطارِ
                                           ومن هواء البحر أصعدُ ... من شظايا أدْمَنَتْ جسدي
واصعدُ من عيون القادمين إلى غروب السهلِ ... أصعدُ من صناديق الخضارِ
                         وقوَّة الأشياء أصعدُ ... أنتمي لسمائي الأولى وللفقراء في كل الأزقّة
                                                    ينشدون : صامدون وصامَدون ... وصامدون

كان المخيَّمُ جسمَ أحمدْ ... كانت دمشقُ جفونَ أحمدْ ... كان الحجاز ظلال أحمدْ
          صار الحصارُ مُرورَ أحمدَ فوق أفئدة الملايين الأسيرةْ
                 صار الحصارُ هُجُومَ أحمدْ ......... والبحر طلقته الأخيرةْ!
يا خَصْرَ كلِّ الريح ، يا أسبوع سُكَّرْ ! يا اسم العيون ويا رُخاميّ الصدى
                يا أحمد المولود من حجر وزعترْ ... ستقول : لا ... ستقول : لا
                جلدي عباءةُ كلِّ فلاح سيأتي من حقول التبغ ... كي يلغي العواصمْ
وتقول : لا ... جسدي بيان القادمين من الصناعات الخفيفةِ .. والتردد… والملاحمْ
                                                                              نحو اقتحام المرحلةْ
وتقول : لا ....... ويدي تحياتُ الزهور وقنبلةْ ، مرفوعة كالواجب اليومي ضدَّ المرحلةْ
وتقول لا  .......... يا أيها الجسد المُضرَّج بالسفوحِ ... وبالشموس المقبلةْ
وتقول :لا .... يا أيها الجسد الذي يتزوج الأمواج .. فوق المقصلة ... وتقول : لا
                                                                                       وتقول : لا
                                                                                          وتقول : لا !
وتموت قرب دمي وتحيا في الطحين ... ونزور صمتك حين تطلبنا يداكَ
وحين تشعلنا اليراعهْ ........ مشت الخيولُ على العصافير الصغيرةِ .. فابتكرنا الياسمين
                                                                       ليغيب وجهُ الموت عن كلماتنا
فاذهب بعيداً في الغمام وفي الزراعة ... لا وقتَ للمنفى وأُغنيتي…
سيجرفُنا زحامُ الموت فاذهب في الزحام ... لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
          واذهبْ إلى دمك المهيَّأ  لانتشارك ... واذهب إلى دميَ الموحَّدِ في حصارِك
          لا وقتَ للمنفى … وللصُورِ الجميلةِ فوق جدران الشوارع والجنائز ... والتمني
                      كتبتْ مراثيها الطيورُ وشرَّدتني ... ورمتْ معاطفها الحقولُ وجمعتني
فاذهبْ بعيداً في دمي! واذهب بعيداً في الطحين ..... لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين ................
      يا أحمدُ اليوميّ! ... يا اسم الباحثين عن الندى وبساطة الأسماء ... يا اسم البرتقالةْ
يا أحمد العاديّ! كيف مَحًوْتَ هذا الفارقَ اللفظيَّ بين الصخر والتفّاح
                                                                                بين البندقية  والغزالة!
لا وقت للمنفى وأغنيتي … سنذهب في الحصار حتى نهايات العواصم
فاذهبْ عميقاً في دمي .... اذهب براعمْ
واذهبْ عميقاً في دمي .... اذهبْ خواتم
واذهبْ عميقاً في دمي .... اذهب سلالم ... يا أحمدُ العربيُّ… قاومْ!
لا وقت للمنفى وأغنيتي … سنذهب في الحصار حتى رصيف الخبز والأمواجِ
تلك مساحتي ومساحة الوطن – المُلازِمْ ... موتٌ أمام الحُلْمِ
                                                                      أو حلم يموتُ على الشعار
فاذهب عميقاً في دمي واذهب عميقاً في الطحين
                                                  لنُصاب بالوطن البسيط وباحتمال الياسمين
… ولَهُ انحناءاتُ الخريف ... لَهُ وصايا البرتقال ... لَهُ القصائد في النزيف
لَهُ تجاعيدُ الجبال ... لَهُ الهتافُ ... لَهُ الزفافُ ... لَهُ المجلاّتُ المُلوَّنةُ ...المراثي المطمئنةُ
ملصقات الحائط ... العَلَمُ ... التقدُّمُ ... فرقةُ الإنشاد ... مرسوم الحداد
                                                                وكل شيء... كل شيء... كل شيء
حين يعلن وجهه للذاهبين إلى ملامح وجههِ ... يا أحمدُ المجهولُ!
                                                             كيف سَكَنْتَنا عشرين عاماً واختفيتَ
                                                               وظَلَّ وجهُكَ غامضاً مثل الظهيرةْ
                                                               يا أحمد السريّ مثل النار والغابات
أشهرْ وجهك الشعبيَّ فينا .... واقرأ وصيَّتكَ الأخيرةْ ؟
يا أيها المتفرّجون ! تناثروا في الصمت ... وابتعدوا قليلاً عنه كي تجدوهُ فيكم
                                                                             حنطةً ويدين عاريتين
وابتعدوا قليلاً عنه كي يتلو وصيَّتَهُ ... على الموتى إذا ماتوا
وكي يرمي ملامحَهُ ... على الأحياء إن عاشوا !

أخي أحمد ! وأنتَ العبدُ والمعبود والمعبد
                                                ... متى تشهدْ ... متى تشهدْ ...... متى تشهدْ ؟


*********************************************************************************

29.3.11

( ملك السحرة )

*  الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ..........
     
                 











                         عندما تدلف لمحراب راحتك الرخية، نازعاً عن رأسك نقابه النحاسي، متعرياً من إرثك القطيعي، في هيكل متعتك المخملي. تحرر من الأرضي الذي يثقل كاهلك والإنساني الذي يغلف كينونتك.أشعل لفافة تبغٍ وامعن النظر جيداً بالدخان المتصاعد من فوهتها. إن الدخان المتكاثف سوف يشكل بتراقصه في فضاء وحدتك حضوراً هيولياً لوجودي السرمدي، أنا الملك الأسود - مبدع الشر الأبدي، ملك السحر والفنون والعلوم والأديان، إلاهك الأعظم القدوس.
       انظر لانعكاس عينيك في انكسار المرايا. ستشاهدني جالساً على عرش السحرة وملوك الظلام شاهراً إصبعي الوسطى في وجهك ...... هل عرفت من أنا ..؟ أنا قيصر الرعب، خازوق الأدميين،المتأزم قيحاً وسفالة ونزيزاً دهرياً للنذالات الكونية، أنا المعبد المفتوح للخيانات والمعاصي والفسق، محراب اضحيات المجون والعربدة. خنزير البسمات الكاشفة عن أنياب الفتك الحادة ووحي الجرذان الطافحة بالطاعون والأوبئة. فحيح الأفاعي وسمها، أنا ملك الكراهية وطيش المقامرة، باعث رياح الدمار والصاعقة، القابض على أرواح الألوان والكلمات والمشاعر. أجود باللعنات والغصات والموت القاهر.
ينز من مسامات جلدي دمٌ أسود متقيح، ألوث أصابعي بعتمته اللزجة كي أخط لك لعناتي على جدران أيامك الآبدية، أتشرب لون الحقد والبغض لأرسم لك بكل جسدي المتمرغ بخمرة الدم المسفوح، المقت والكراهية منتشياً بلهب النارالمتشظية التي ستلسع أدق الخلايا في جسمك الممتلئ خراءً وقذارة. أجبرك على تقديم فروض الطاعة والعبادة ثم أمنحك لعناتي الماحقة ودعواتي المهلكة، أرقص معربداً وأنا أنقض عليك بصواعقي وبانهمار الغيوم الملبدة بالبروق وبالرعود والأعاصير، أعصف بجوانحك أمراضاً وأرسل أرواح الشرور لتعيث فساداً بنفسك الوضيعة. أمنحك جمرات الغرائز المدمرة: الخوف – الجوع – القهر – اللهفة – العدم ومذلات السقوط بالفشل والخيبة.
         أنا من ضاجع حواء فيك، وحتى ساعتك هذه ما أن تشتم رائحة الحياة في رحمها حتى تعلن عن بغضك لها وتبدأ بالرفس بقدميك لتشق طريق الخلاص منها. حياتك ليست سوى فشلٍ ذريع تؤثر التقهقر لحالتك البدائية الحيوانية بدل اندفاعك للتفوق على الإنسان فيك. تكره الموت حتى أدق عظامك لأنه يعيدك ثانية لبطن الأم يعيدك لحالة الرحم الأولى.إن الموت هو غاية وجودك التي تحمل بذورها في جنبات أضلاعك منذ ولادتك.
عليك كل انهمار لعناتي: أرشق وجهك بسائلي المنوي ألوث طهر جنسك المزعوم بكل القذارات الأرضية أفسد متعة حياتك بالأنبياء الأميين المسلحين بالكتب السماوية الحمقاء أدمرك بالأحزاب الطافحة بالمؤمرات الدنيئة ونظريات الأخلاق والإجتماع والسياسة .أبتليك بعصابات السلب والقتل والمحتكرين أجتاح راحة أيامك بجزمات الحروب والصراعات، أسلط عليك السلاطين والملوك والرؤساء المثقوبين بالاضطهاد والنرجسية.
تنقضي سنوات عمرك وأنا أجلس فرحاً نشواناً متفرجاً عليك بكل مكري ( والله خير الماكرين ) مدخناً بلذة المدمنين، السجائر المصنوعة من جلد بدنك. انظر لأيامك وانقضاء ساعات العمل والشقاء في صحوك تفرس في سواد لياليك المحقونة بالأحلام الجزعة بالكوابيس المرعبة، هذه هي حياتك: إنها شق الطرق بين الجثث المتفسخة وأبخرة الموت المتصاعدة من مداخن المدنّية في بلدان حضاراتك الزائفة.
ليس هناك إله خارج ذاتك الفانية، خارج عظام جمجمتك المنغلقة على التفاهات والأفكار العقيمة. تقبض على الأشياء عندما يرعبك الشك بوجودها، تحتفظ بعاداتك وطباعك الموروثة من حمق الأزمان وآمال الوعود وجنات الأديان البائدة. تخاف من إلاهك المخُترَع مع إن الخوف هو الذي أوجده في سرائر أسلافك الحمفى ( الله هو ابن للخوف المعشش بداخلك و ليس أباً له ) اللعنة عليك أيها المحكوم بالأباء والزعماء والآلهة. إن جيفة ضبعٍ متفسخة ينغل الدود بجوفها أطهر من النبي فيك.
أنا من يدفع أنسالك لانجاز ما تعجز عنه في حياتك، أدفعهم لاكمال المسيرة نحو قمة الهرم الوجودي في سديم الكون المنفلش عن ذرات تبعثره في العدم، أنا من سوف يجلسك على قمة الخازوق متلهياً بالعبث بأقدار صيرورتك.
       كل الحيوات في هذا العالم تحيا بفطرتها، هذه الفطرة تدفعك لخلق أجيال أقوى منها لتوصلك في النهاية إلى الإله الذي تتمنى لاشعورياً أن تصيره، هي بحاجة للكثير من توالي الزمن عليها لكنها حتمية في إصرارها. إن كل ما سوف تفعله بحضارتك لن يكون سوى خطوات بطيئة – تقربك رويداً رويداً من زمن التحول المقدس إلى الهيولى الأولى. زمن التحول إلى الوعي الكلي الذي يبذر فيك بذور التوالد والتعاقب ويمنحك أجزاءً بسيطة من مادته الكلية لتسند بها حجارة بنيان حضارتك المتداعي.
استشر الفلاسفة ورجال العلم من الذي أوحى لهم باجتراح المعجزات و اختراع الصناعات، اسئل رجال الدين و الأئمة عمن كان رفيق حلقات الذكر بينهم ومن الذي زودهم بكراماتهم. أيها الممتلئ بخواطر الصحة و السلام العالمي و التعايش الأخوي، أيها الممتلئ بنزعات الحفاظ على البيئة والاقتصاد الحر و تبادل المصالح إن كل هذه المتاهات ما هي إلا خطوات مرتدة تعيدك قليلاً إلى الوراء فتأخر نزوحك إلى القمة.
-        استمع إلي: دع التفسخ ينهش ذاتك، دع الأمراض تفتك بك، دع الحروب والمجاعات تجتاح تجمعاتك، دع الموت يحلق بأجنحته الرمادية فوق أشلاء مقابرك، دع الأقذار والكوابيس تحطم فيك حب البقاء و المقاومة، دع اسطورة الخلود التي تجلدك بسياطها. افعل ذلك بكل جهد ممكن ولا تتوانى بكسلك الضجر. فهذه أسرع الطرق لتتحول وترتفع إلى قمة الهرم؛ إن فنائك سوف يختصر الكثير من مسافات الألم والمعاناة، التي ستصيبك في مخاضك التحولي من دودة أرضية حقيرة إلى هيولى سماوية، توحد جنسك كجدارٍ تتحطم عليه قيود أسرك الأبدي و أطواق عبوديتك في هذا العالم الذي ليس لك.إن حياتك هي تجسيد للشر، لأن المعاناة والقهر دافعها الأساس وحقيقة جوهرها. هدفها ليس الخير بحد ذاته بل السعادة لأنك تختارها بذاتها لا لشيء أخر. أنت تختار الفضيلة والأخلاق والإدراك لأنك تظن أنك تصل عن طريقها إلى السعادة.
عالمك هذا مسرح للرعونة والغباء والخطأ. يعج بالمجانين المرضى الذين يتحدثون دائماً عن السعادة - الأنبياء . لقد لجأوا دوماً إلى إثارة خيالاتك في دعواهم لمبادئهم ومذاهبهم. كتبهم لا تفسر لك الأشياء والحوادث بأسبابها الكلية بل تقصها وترويها باسلوبٍ مغرٍ فيه الكثير من التشويق المتدفق للتأثير عليك ودفعك للإيمان، إنها لاتستهدف مخاطبة عقلك واقناعه، بل جذب خيالك والسيطرة عليه، ومن أجل ذلك يكثر فيها ذكر المعجزات والأساطير ومظاهر الغضب والبذخ الإلهي.
           معظم الآلهة في البداية كانوا رجالاً من الموتى قامت الاساطير والكتب المتناقلة بتضخيمها لتداعب خيالك الطامح للراحة. إن إيمانك بالله مرتبط بالتسليم بالحكم الفردي أو المطلق، وهو نوع من الحنين لشخصية الأب رب العائلة الشامل الحماية. و كلاهما المطلق والتسليم ينهضان معاً ويسقطان معاً ((لن تتحرر مطلقاً من عبوديتك إلى أن تشنق أخر حاكمٍ بأمعاء أخر رجل دين)).
     ألا يرعبك هذا الصمت الخالد الذي يتصف به هذا الكون. إن وجودك فيه ممزوج باللانهائي ولن ترَّ نفسك أو تعرفها أبداً . نشاطك الانساني مهما تنوع و تغير، صادر عن رغبةٍ لحفظ البقاء و استمراره. غرائزك بمجموعها خطط ارتقت بها طبيعتك للمحافظة على بقاءك ككائن، تلح عليك بشهواتها ويلٌ لك إن وقفت بطريقها، ستحاربك بكل إغوائها الأزلي كي تدمرك ثم تظهر كلعناتٍ في أخلافك.
إذا شئت أن تعدّني كذاباً لأني أواجهك بالحقائق الصريحة التي ترتعد فرقاً من جبروت تسلطها على أكاذيبك المختلقة؛ إمسك بأحقر صرصور في أقذر بالوعة في منازل عمرانك واسأله ...... تجده يتألم بقرف من فكرة الله.

أنت تجد انتصارك كمؤمن في فشلك الدنيوي كي تنال غبطة الفردوس الموعودة في الآخرة.

***********************************************************************